فصل في كراهة مداخل السوء

فَصْلٌ فِي كَرَاهَةِ مَدَاخِلِ السُّوءِ

قَالَ أَحْمَدُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَكْرَهُ الْمَدْخَلَ السُّوءَ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: أَكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى صَيْحَةٍ بِاللَّيْلِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَكُونُ؟ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْخَلَّالُ (مَا يُكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى صَيْحَةٍ بِاللَّيْلِ) وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ: أَكْرَهُ مُمَاشَاةَ الْمُرِيبِ كَرَاهَةَ أَنْ أَعِيبَ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَ الْخِيَارُ بِيَدِهِ، وَمَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهَمَةِ فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلِ فِي الْفُنُونِ: قَالَ الْحَسَنُ مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ التُّهَمَةِ لَمْ يَكُنْ أَجْرُ لِلْغِيبَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمَّا فَعَلَ مَا لَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ سَقَطَ حَقُّهُ وَحَرَّمْتُهُ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا: تَسْقُطُ حُرْمَةُ الدَّاعِي إلَى وَلِيمَةٍ بِفِعْلِهِ مَا لَا يَنْبَغِي، وَحُرْمَةُ مَنْ سَلَّمَ فِي مَوْضِعٍ، لَا يَنْبَغِي وَحُرْمَةُ مَنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ يَمُرُّ فِيهِ النَّاس، فَلَا يَرُدُّ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي الْغِيبَةِ فِي لِبَاسِ الشُّهْرَة.

المصدر كتاب: الآداب الشرعية والمنح المرعية
المؤلف: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي الحنبلي (المتوفى: 763هـ)
عدد الأجزاء: 3

فصل لا ينبغي ترك العمل المشروع خوف الرياء

فَصْلٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُ الْعَمَلِ الْمَشْرُوعِ خَوْفَ الرِّيَاءِ

مِمَّا يَقَعُ لِلْإِنْسَانِ أَنَّهُ أَرَادَ فِعْلَ طَاعَةٍ يَقُومُ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَحْمِلُهُ عَلَى تَرْكِهَا خَوْفَ وُقُوعِهَا عَلَى وَجْهِ الرِّيَاءِ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي عَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَى ذَلِكَ، وَلِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ وَرَغَّبَهُ فِيهِ، وَيَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ فِي وُقُوعِ الْفِعْلِ مِنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ – رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ مَعَ الْقَلْبِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُظَنَّ بِهِ الرِّيَاءُ بَلْ يَذْكُرُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَيَقْصِدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَذَكَرَ قَوْلَ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ – رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ لِأَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالْعَمَلُ لِأَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ قَالَ: فَلَوْ فَتَحَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ بَابَ مُلَاحَظَةِ النَّاسِ وَالِاحْتِرَازِ مِنْ تَطَرُّقِ ظُنُونِهِمْ الْبَاطِلَةِ لَانْسَدَّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَبْوَابِ الْخَيْرِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ فَأَمَّا تَرْكُ الطَّاعَاتِ خَوْفًا مِنْ الرِّيَاءِ فَإِنْ كَانَ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى الطَّاعَةِ غَيْرَ الدِّينِ فَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْبَاعِثُ عَلَى ذَلِكَ الدِّينَ وَكَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُخْلِصًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ الْعَمَلَ؛ لِأَنَّ الْبَاعِثَ الدِّينُ، وَكَذَلِكَ إذَا تَرَكَ الْعَمَلَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُقَالَ: مُرَاءٍ، فَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إذَا أَتَاك الشَّيْطَانُ وَأَنْتَ فِي صَلَاةٍ، فَقَالَ: إنَّك مُرَاءٍ فَزِدْهَا طُولًا، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ تَرَكَ الْعِبَادَةَ خَوْفًا مِنْ الرِّيَاءِ، فَيُحْمَلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُمْ أَحَسُّوا مِنْ نُفُوسِهِمْ بِنَوْعِ تَزَيُّنٍ فَقَطَعُوا، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمِنْ هَذَا قَوْلِ الْأَعْمَشِ كُنْتُ عِنْدَ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَهُوَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ فَغَطَّى الْمُصْحَفَ، وَقَالَ: لَا يَظُنُّ أَنِّي أَقْرَأُ فِيهِ كُلَّ سَاعَةٍ، وَإِذَا كَانَ لَا يَتْرُكُ الْعِبَادَةَ خَوْفَ وُقُوعِهَا عَلَى وَجْهِ الرِّيَاءِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَتْرُكَ خَوْفَ عُجْبٍ يَطْرَأُ بَعْدَهَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ فِي الْعُجْبِ قَبْل فُصُولِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَيَأْتِي قَبْلَ فُصُولِ اللِّبَاسِ فِي الدُّخُولِ عَلَى السُّلْطَانِ يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ قَوْلُ دَاوُد الطَّائِيِّ أَخَافُ عَلَيْهِ السَّوْطَ، قَالَ: إنَّهُ يَقْوَى قَالَ: أَخَافُ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: إنَّهُ يَقْوَى قَالَ: أَخَافُ عَلَيْهِ الدَّاءَ الدَّفِينَ: الْعُجْبَ.

الكتاب: الآداب الشرعية والمنح المرعية
المؤلف: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي الحنبلي (المتوفى: 763هـ)
عدد الأجزاء: 3

ينبغي الإنكار على الفعل غير المشروع وإن كثر فاعلوه

يَنْبَغِي الْإِنْكَارُ عَلَى الْفِعْلِ غَيْر الْمَشْرُوعِ، وَإِنْ كَثُرَ فَاعِلُوهُ

يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأُمُورِ يَفْعَلُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ خِلَافَ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ، وَيَشْتَهِرُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَيَقْتَدِي كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ بِهِمْ فِي فِعْلِهِمْ. وَاَلَّذِي يَتَعَيَّنُ عَلَى الْعَارِفِ مُخَالَفَتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَلَا يُثَبِّطُهُ عَنْ ذَلِكَ وَحْدَتُهُ وَقِلَّةُ الرَّفِيقِ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ: وَلَا يَغْتَرُّ الْإِنْسَانُ بِكَثْرَةِ الْفَاعِلِينَ لِهَذَا الَّذِي نَهَيْنَا عَنْهُ مِمَّنْ لَا يُرَاعِي هَذِهِ الْآدَابَ، وَامْتَثِلْ مَا قَالَهُ السَّيِّدُ الْجَلِيلُ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: لَا تَسْتَوْحِشْ طُرُقَ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهَا، وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْهَالِكِينَ.
وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: مَنْ صَدَرَ اعْتِقَادُهُ عَنْ بُرْهَانٍ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ تَلَوُّنٌ يُرَاعِي بِهِ أَحْوَالَ الرِّجَالِ. {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144] .
كَانَ الصِّدِّيقُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – مِمَّنْ يَثْبُتُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ فَلَمْ تَتَقَلَّبْ بِهِ الْأَحْوَالُ فِي كُلِّ مَقَامٍ زَلَّتْ بِهِ الْأَقْدَامُ إلَى أَنْ قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ مُسْلِمًا إلَى أَنْ يَضِيقَ بِهِ عَيْشٌ، وَإِنَّمَا دِينُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى شَعْثِ الدُّنْيَا وَصَلَاحِ الْآخِرَةِ فَمَنْ طَلَبَ بِهِ الْعَاجِلَةَ أَخْطَأَ.

المصدر من كتاب: الآداب الشرعية والمنح المرعية
فَصْلٌ يَنْبَغِي الْإِنْكَارُ عَلَى الْفِعْلِ غَيْر الْمَشْرُوعِ، وَإِنْ كَثُرَ فَاعِلُوهُ
المؤلف: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي الحنبلي (المتوفى: 763هـ)
عدد الأجزاء: 3

صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها

صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها
تأليف محمد ناصر الدين الألباني

مقدمة الكتاب الأولى

الحمد لله الذي فرض الصلاة على عباده وأمرهم بإقامتها وحسن أدائها وعلق النجاح والفلاح بالخشوع فيها وجعلها فرقانا بين الإيمان والكفر وناهية عن الفحشاء والمنكر
والصلاة والسلام على نبينا محمد المخاطب بقوله تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] فقام صلى الله عليه وسلم بهذه الوظيفة حق القيام وكانت الصلاة من أعظم ما بينه للناس قولا وفعلا حتى إنه صلى مرة على المنبر يقوم عليه ويركع ثم قال لهم:
(إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي) (البخاري ومسلم) وأوجب علينا الاقتداء به فيها فقال:
(صلوا كما رأيتموني أصلي) (البخاري ومسلم) وبشر من صلاها كصلاته أن له عند الله عهدا أن يدخله الجنة فقال:
(صحيح صحيح أبي داود)
(خمس صلوات افترضهن الله عز وجل من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه)

وعلى آله وصحبه الأتقياء البررة الذين نقلوا إلينا عبادته صلى الله عليه وسلم وصلاته وأقواله وأفعاله وجعلوها – وحدها – لهم مذهبا وقدوة وعلى من حذا حذوهم وسلك سبيلهم إلى يوم الدين
وبعد فإني لما انتهيت من قراءة (كتاب الصلاة) من ” الترغيب والترهيب ” للحافظ المنذري – رحمه الله – وتدريسه على بعض إخواننا السلفيين – وذلك منذ أربع سنين – تبين لنا جميعا ما للصلاة من المنزلة والمكانة في الإسلام وما لمن أقامها وأحسن أداءها من الأجر والفضل والإكرام وأن ذلك يختلف – زيادة ونقصا – بنسبة قربها أو بعدها من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كما أشار إلى ذلك بقوله
(صحيح أبي داود) :
(إن العبد ليصلي الصلاة ما يكتب له منها إلا عشرها تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها) ولذلك فإني نبهت الإخوان إلى أنه لا يمكننا أداؤها حتى الأداء – أو قريبا منه – إلا إذا علمنا صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم مفصلة وما فيها من: واجبات وآداب وهيئات وأدعية وأذكار ثم حرصنا على تطبيق ذلك عمليا فحينئذ نرجو أن تكون صلاتنا تنهانا عن الفحشاء والمنكر وأن يكتب لنا ما ورد فيها من الثواب والأجر

ولما كان معرفة ذلك على التفصيل يتعذر على أكثر الناس – حتى على كثير من العلماء – لتقيدهم بمذهب معين وقد علم كل مشتغل بخدمة السنة المطهرة جمعا وتفقها أن في كل مذهب من المذاهب سننا لا توجد في المذاهب الأخرى وفيها جميعها ما لا يصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال وأكثر ما يوجد ذلك في كتب المتأخرين وكثيرا ما نراهم يجزمون

بعزو ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك وضع علماء الحديث – جزاهم الله خيرا – على بعض ما اشتهر منها كتب التخريجات التي تبين حال كل حديث مما ورد فيها من صحة أو ضعف أو وضع ككتاب
” العناية بمعرفة أحاديث الهداية ”
و” الطرق والوسائل في تخريج أحاديث خلاصة الدلائل ” كلاهما للشيخ عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي و ” نصب الراية لأحاديث الهداية ” للحافظ الزيلعي ومختصره ” الدراية ” للحافظ ابن حجر العسقلاني و ” التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ” له أيضا وغيرها مما يطول الكلام بإيرادها
أقول: لما كان معرفة ذلك على التفصيل يتعذر على أكثر الناس ألفت لهم هذا الكتاب ليتعلموا كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيهتدوا بهديه فيها راجيا من المولى سبحانه وتعالى ما وعدنا به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. .)
الحديث. رواه مسلم وغيره وهو مخرج في (الأحاديث الصحيحة)
(863)

سبب تأليف الكتاب
ولما كنت لم أقف على كتاب جامع في هذا الموضوع فقد رأيت من الواجب علي أن أضع لأخواني المسلمين – ممن همهم الاقتداء في عبادتهم بهدي نبيهم صلى الله عليه وسلم – كتابا مستوعبا ما أمكن لجميع ما يتعلق بصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم بحيث يسهل على من وقف عليه – من المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم حبا صادقا – القيام بتحقيق أمره في الحديث المتقدم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . ولهذا فإني شمرت عن ساعد الجد وتتبعت الأحاديث المتعلقة بما إليه قصدت من مختلف كتب الحديث فكان من ذلك هذا الكتاب الذي بين يديك وقد اشترطت على نفسي أن لا أورد فيه من الأحاديث النبوية إلا ما ثبت سنده حسبما تقتضيه قواعد الحديث الشريف وأصوله وضربت صفحا عن كل ما تفرد به مجهول أو ضعيف سواء كان في الهيئات أو الأذكار أو الفضائل وغيرها لأنني أعتقد أن فيما ثبت من الحديث غنية عن الضعيف منه لأنه لا يفيد – بلا خلاف – إلا الظن والظن المرجو وهو كما قال تعالى: لا يغني من الحق شيئا. وقال صلى الله عليه وسلم:
(إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) (البخاري ومسلم) فلم يتعبدنا الله تعالى بالعمل به بل نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال:

(اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم) (صحيح الترمذي) فإذا نهى عن رواية الضعيف فبالأحرى أن ينهى عن العمل به
هذا وقد كنت وضعت الكتاب على شطرين: أعلى وأدنى أما الأول فهو كالمتن أوردت فيه متون الأحاديث أو الجمل اللازمة منها ووضعتها في أماكنها اللائقة بها مؤلفا بين بعضها بحيث يبدو الكتاب منسجما من أوله إلى آخره وحرصت على المحافظة على نص الحديث ولفظه الذي ورد في كتب السنة وقد يكون له ألفاظ فأوثر منها لفظا لفائدة التأليف أو غيره وقد أضم إليه غيره من الألفاظ فإنه على ذلك بقولي: (وفي لفظ: كذا وكذا) أو (وفي رواية كذا وكذا) ولم أعزوها إلى رواتها من الصحابة إلا نادرا ولا بينت من رواها من أئمة الحديث تسهيلا للمطالعة والمراجعة
وأما الشطر الآخر فهو كالشرح لما قبله خرجت فيه الأحاديث الواردة في الشطر الأعلى مستقصيا ألفاظه وطرقه مع الكلام على أسانيدها وشواهدها تعديلا وتحريجا وتصحيحا وتضعيفا حسبما تقتضيه علوم الحديث

الشريف وقواعده وكثيرا ما يوجد في بعض الطرق من الألفاظ والزيادات ما لا يوجد في الطرق الأخرى فأضيفها إلى الحديث الواردة في القسم الأعلى إذا أمكن انسجامها مع أصله وأشرت إلى ذلك بجعلها بين قوسين مستطيلين هكذا [] دون أن أنص على من تفرد بها من المخرجين لأصله هذا إذا كان مصدر الحديث ومخرجه عن صحابي واحد وإلا جعلته نوعا آخر مستقلا بنفسه كما تراه في أدعية الاستفتاح وغيره وهذا شيء عزيز نفيس لا تكاد تجده هكذا في كتاب والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
ثم أذكر فيه مذاهب العلماء حول الحديث الذي خرجناه ودليل كل منهم مع مناقشتها وبيان ما لها وما عليها ثم نستخلص من ذلك الحق الذي أوردناه في القسم الأعلى وقد أورد فيه بعض المسائل التي ليس عليها نص في السنة إنما هي من المجتهد فيها ولا تدخل في موضوع كتابنا هذا
ولما كان طبع الكتاب بشطريه مما لم يتيسر لنا القيام به – لأسباب قاهرة – فقد رأينا أن نطبع الشطر الأول منه مستقلا عن الآخر إن شاء الله تعالى وسميته:
” صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها ”
أسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به إخواني المؤمنين إنه سميع مجيب

منهج الكتاب
ولما كان موضوع الكتاب إنما هو بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة كان من البدهي أن لا أتقيد فيه بمذهب معين للسبب الذي مر ذكره وإنما أورد فيه ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم كما هو مذهب المحدثين قديما وحديثا وقد أحسن من قال:

أهل الحديث هم أهل النبي وإن لم يصحبوا أنفسه أنفاسه صحبوا
ولذلك فإن الكتاب سيكون إن شاء الله تعالى جامعا لشتات ما تفرق في بطون كتب الحديث والفقه – على اختلاف المذاهب مما له علاقة بموضوعه – بينما لا يجمع ما فيه من الحق أي كتاب أو مذهب وسيكون العامل به إن شاء الله ممن قد هداه الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
ثم إني حين وضعت هذا المنهج لنفسي – وهو التمسك بالسنة الصحيحة – وجريت عليه في هذا الكتاب وغيره – مما سوف ينتشر بين الناس إن شاء الله – كنت على علم أنه سوف لا يرضي ذلك كل الطوائف والمذاهب بل سوف يوجه بعضهم أو كثير منهم ألسنة الطعن وأقلام اللوم إلي ولا بأس من ذلك علي فإني أعلم أيضا أن إرضاء الناس غاية لا تدرك وأن: (من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس) (صحيح الصحيحة 2311) كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولله در من قال:

ولست بناج من مقالة طاعن ولو كنت في غار على جبل وعر
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالما ولو غاب عنهم بين خافيتي نسر
فحسبي أنني معتقد أن ذلك هو الطريق الأقوم الذي أمر الله تعالى به المؤمنين وبينه نبينا محمد سيد المرسلين وهو الذي سلكه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وفيهم الأئمة الأربعة – الذين ينتمي اليوم إلى مذاهبهم جمهور المسلمين – وكلهم متفق على وجوب التمسك بالسنة والرجوع إليها وترك كل قول يخالفها مهما كان القائل عظيما فإن شأنه صلى الله عليه وسلم أعظم وسبيله أقوم ولذلك فإني اقتديت بهداهم واقتفيت آثارهم وتبعت أوامرهم بالتمسك بالحديث وإن خالف أقوالهم ولقد كان لهذه الأوامر أكبر الأثر في نهجي هذا النهج المستقيم وإعراضي عن التقليد الأعمى فجزاهم الله تعالى عني خيرا

أقوال الأئمة في اتباع السنة وترك أقوالهم المخالفة لها
ومن المفيد أن نسوق هنا ما وقفنا عليه منها أو بعضها لعل فيها عظة وذكرى لمن يقلدهم – بل يقلد من دونهم بدرجات تقليدا أعمى – ويتمسك بمذاهبهم وأقوالهم كما لو كانت نزلت من السماء والله عز وجل يقول:

اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون
1 – أبو حنيفة رحمه الله
فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله وقد روي عنه أصحابه أقوالا شتى وعبارات متنوعة كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو وجوب الأخذ بالحديث وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة لها:
1 – (إذا صح الحديث فهو مذهبي) . (ابن عابدين في ” الحاشية ” 1 / 63)
2 – (لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه) . (ابن عابدين في ” حاشيته على البحر الرائق ” 6 / 293)

وفي رواية: (حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي)
زاد في رواية: (فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا)
وفي أخرى: (ويحك يا يعقوب (هو أبو يوسف) لا تكتب كل ما تسمع مني فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدا وأرى الرأي غدا وأتركه بعد غد)

3 – (إذا قلت قولا يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فاتركوا قولي) . (الفلاني في الإيقاظ ص 50)
2 – مالك بن أنس رحمه الله وأما الإمام مالك بن أنس رحمه الله فقال:
1 – (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) . (ابن عبد البر في الجامع 2 / 32)

2 – (ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم) . (ابن عبد البر في الجامع 2 / 91)
3 – قال ابن وهب: سمعت مالكا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء فقال: ليس ذلك على الناس. قال: فتركته حتى خف الناس فقلت له: عندنا في ذلك سنة فقال: وما هي قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحنبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه. فقال: إن هذا الحديث حسن وما سمعت به قط إلا الساعة ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع. (مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ص 31 – 32)
3 – الشافعي رحمه الله
وأما الإمام الشافعي رحمه الله فالنقول عنه في ذلك أكثر وأطيب

وأتباعه أكثر عملا بها وأسعد فمنها:
1 – (ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لخلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي) . (تاريخ دمشق لابن عساكر 15 / 1 / 3)
2 – (أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد) . (الفلاني ص 68)
3 – (إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت) . (وفي رواية (فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد) . (النووي في المجموع 1 / 63)
4 – (إذا صح الحديث فهو مذهبي) . (النووي 1 / 63)

5 – (أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني به أي شيء يكون: كوفيا أو بصريا أو شاميا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا) . (الخطيب في الاحتجاج بالشافعي 8 / 1)
6 – (كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل

بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي) . (أبو نعيم في الحلية 9 / 107)
7 – (إذا رأيتموني أقول قولا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فاعلموا أن عقلي قد ذهب) . (ابن عساكر بسند صحيح 15 / 10 / 1)
8 – (كل ما قلت فكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح فحديث النبي أولى فلا تقلدوني) . (ابن عساكر بسند صحيح 15 / 9 / 2)
9 – (كل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قولي وإن لم تسمعوه مني) . (ابن أبي حاتم 93 – 94)
4 – أحمد بن حنبل رحمه الله
وأما الإمام أحمد فهو أكثر الأئمة جمعا للسنة وتمسكا بها حتى (كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي) ولذلك قال:

1 – (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا) . (ابن القيم في إعلام الموقعين 2 / 302)
وفي رواية: (لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير)
وقال مرة: (الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ثم هو من بعد التابعين مخير) . (أبو داود في مسائل الإمام أحمد ص 276 – 277)
2 – (رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار) . (ابن عبد البر في الجامع 2 / 149)
3 – (من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة) . (ابن الجوزي في المناقب (ص 182)
تلك هي أقوال الأئمة رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك بالحديث والنهي عن تقليدهم دون بصيرة وهي من الوضوح والبيان بحيث لا تقبل جدلا ولا تأويلا وعليه فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة ولو خالف بعض أقوال الأئمة لا يكون مباينا لمذهبهم ولا خارجا عن طريقتهم بل هو متبع لهم جميعا ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وليس كذلك من ترك السنة الثابتة لمجرد مخالتفها لقولهم بل هو بذلك عاص لهم ومخالف لأقوالهم المتقدمة والله تعالى يقول: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما

وقال: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
(فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وعرفه أن يبينه للأمة وينصح لهم ويأمرهم باتباع أمره وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة فإن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يعظم ويقتدى به من رأى أي معظم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأ ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل مخالف سنة صحيحة وربما أغلظوا في الرد لا بغضا له بل هو محبوب عندهم معظم في نفوسهم لكن رسول الله أحب إليهم وأمره فوق أمر كل مخلوق فإذا تعارض أمر الرسول وأمر غيره فأمر الرسول أولى أن يقدم ويتبع

ولا يمنع من ذلك تعظيم من خالف أمره وإن كان مغفورا له بل ذلك المخالف المغفور له لا يكره أن يخالف أمره إذا ظهر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بخلافه
قلت: كيف يكرهون ذلك وقد أمروا به أتباعهم كما مر وأوجبوا عليهم أن يتركوا أقوالهم المخالفة للسنة بل إن الشافعي رحمه الله أمر أصحابه أن ينسبوا السنة الصحيحة إليه ولو لم يأخذ بها أو أخذ بخلافها ولذلك لما جمع المحقق ابن دقيق العيد رحمه الله المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة الأربعة الحديث فيها انفرادا واجتماعا في مجلد ضخم قال في أوله:
(إن نسبة هذه المسائل إلى الأئمة المجتهدين حرام وإنه يجب على الفقهاء المقلدين لهم معرفتها لئلا يعزوها إليهم فيكذبوا عليهم)
ترك الأتباع بعض أقوال أئمتهم اتباعا للسنة

ولذلك كله كان أتباع الأئمة ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين لا يأخذون بأقوال أئمتهم كلها بل قد تركوا كثيرا منها لما ظهر لهم مخالفتها للسنة حتى أن الإمامين: محمد بن الحسن وأبا يوسف رحمهما الله قد خالفا شيخهما أبا حنيفة (في نحو ثلث المذهب) وكتب الفروع

كفيلة ببيان ذلك ونحو هذا يقال في الإمام المزني وغيره من أتباع الشافعي وغيره ولو ذهبنا نضرب على ذلك الأمثلة لطال بنا الكلام ولخرجنا به عما قصدنا إليه في هذا البحث من الإيجاز فلنقتصر على مثالين اثنين:
1 – قال الإمام محمد في ” موطئه ” (ص 158) : (قال محمد: أما أبو حنيفة رحمه الله فكان لا يرى في الاستسقاء صلاة وأما في قولنا فإن الإمام يصلي بالناس ركعتين ثم يدعو ويحول رداءه) إلخ
2 – وهذا عصام بن يوسف البلخي من أصحاب الإمام محمد ومن الملازمين للإمام أبي يوسف (كان يفتي بخلاف قول الإمام أبي حنيفة كثيرا لأنه لم يعلم الدليل وكان يظهر له دليل غيره فيفتي به ” ولذلك (كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه) كما هو في السنة المتواترة عنه صلى الله عليه وسلم فلم يمنعه

من العمل بها أن أئمته الثلاثة قالوا بخلافها وذلك ما يجب أن يكون عليه كل مسلم بشهادة الأئمة الأربعة وغيرهم كما تقدم
وخلاصة القول إنني أرجو أن لا يبادر أحد من المقلدين إلى الطعن في مشرب هذا الكتاب وترك الاستفادة مما فيه من السنن النبوية بدعوى مخالفتها للمذهب بل أرجو أن يتذكر ما أسلفناه من أقوال الأئمة في وجوب العمل بالسنة وترك أقوالهم المخالفة لها وليعلم أن الطعن في هذا المشرب إنما هو طعن في الإمام الذي يقلده أيا كان من الأئمة فإنما أخذنا هذا المنهج منهم كما سبق بيانه فمن أعرض عن الاهتداء بهم في هذا السبيل فهو على خطر عظيم لأنه يستلزم الإعراض عن السنة وقد أمرنا عند الاختلاف بالرجوع إليها والاعتماد عليها كما قال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65]
أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن قال فيهم: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون. ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون
دمشق 13 جمادى الآخرة سنة 1370 هـ

متابعة قراءة “صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها”

أقوال الأئمة في اتباع السنة وترك أقوالهم المخالفة لها

ومن المفيد أن نسوق هنا ما وقفنا عليه منها أو بعضها لعل فيها عظة وذكرى لمن يقلدهم – بل يقلد من دونهم بدرجات تقليدا أعمى – ويتمسك بمذاهبهم وأقوالهم كما لو كانت نزلت من السماء والله عز وجل يقول: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون

1 – أبو حنيفة رحمه الله

فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله وقد روي عنه أصحابه أقوالا شتى وعبارات متنوعة كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو وجوب الأخذ بالحديث وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة لها:
1 – (إذا صح الحديث فهو مذهبي) . (ابن عابدين في ” الحاشية ” 1 / 63)
2 – (لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه) . (ابن عابدين في ” حاشيته على البحر الرائق ” 6 / 293)

وفي رواية: (حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي)
زاد في رواية: (فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا)
وفي أخرى: (ويحك يا يعقوب (هو أبو يوسف) لا تكتب كل ما تسمع مني فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدا وأرى الرأي غدا وأتركه بعد غد)

3 – (إذا قلت قولا يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فاتركوا قولي) . (الفلاني في الإيقاظ ص 50)

2 – مالك بن أنس رحمه الله وأما الإمام مالك بن أنس رحمه الله فقال:

1 – (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) . (ابن عبد البر في الجامع 2 / 32)

2 – (ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم) . (ابن عبد البر في الجامع 2 / 91)
3 – قال ابن وهب: سمعت مالكا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء فقال: ليس ذلك على الناس. قال: فتركته حتى خف الناس فقلت له: عندنا في ذلك سنة فقال: وما هي قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحنبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه. فقال: إن هذا الحديث حسن وما سمعت به قط إلا الساعة ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع. (مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ص 31 – 32)

3 – الشافعي رحمه الله

وأما الإمام الشافعي رحمه الله فالنقول عنه في ذلك أكثر وأطيب

وأتباعه أكثر عملا بها وأسعد فمنها:
1 – (ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لخلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي) . (تاريخ دمشق لابن عساكر 15 / 1 / 3)
2 – (أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد) . (الفلاني ص 68)
3 – (إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت) . (وفي رواية (فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد) . (النووي في المجموع 1 / 63)
4 – (إذا صح الحديث فهو مذهبي) . (النووي 1 / 63)

5 – (أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني به أي شيء يكون: كوفيا أو بصريا أو شاميا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا) . (الخطيب في الاحتجاج بالشافعي 8 / 1)
6 – (كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي) . (أبو نعيم في الحلية 9 / 107)
7 – (إذا رأيتموني أقول قولا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فاعلموا أن عقلي قد ذهب) . (ابن عساكر بسند صحيح 15 / 10 / 1)
8 – (كل ما قلت فكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح فحديث النبي أولى فلا تقلدوني) . (ابن عساكر بسند صحيح 15 / 9 / 2)
9 – (كل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قولي وإن لم تسمعوه مني) . (ابن أبي حاتم 93 – 94)

4 – أحمد بن حنبل رحمه الله

وأما الإمام أحمد فهو أكثر الأئمة جمعا للسنة وتمسكا بها حتى (كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي) ولذلك قال:

1 – (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا) . (ابن القيم في إعلام الموقعين 2 / 302)
وفي رواية: (لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير)
وقال مرة: (الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ثم هو من بعد التابعين مخير) . (أبو داود في مسائل الإمام أحمد ص 276 – 277)
2 – (رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار) . (ابن عبد البر في الجامع 2 / 149)
3 – (من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة) . (ابن الجوزي في المناقب (ص 182)

تلك هي أقوال الأئمة رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك بالحديث والنهي عن تقليدهم دون بصيرة وهي من الوضوح والبيان بحيث لا تقبل جدلا ولا تأويلا وعليه فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة ولو خالف بعض أقوال الأئمة لا يكون مباينا لمذهبهم ولا خارجا عن طريقتهم بل هو متبع لهم جميعا ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وليس كذلك من ترك السنة الثابتة لمجرد مخالتفها لقولهم بل هو بذلك عاص لهم ومخالف لأقوالهم المتقدمة والله تعالى يقول: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما

وقال: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
(فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وعرفه أن يبينه للأمة وينصح لهم ويأمرهم باتباع أمره وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة فإن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يعظم ويقتدى به من رأى أي معظم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأ ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل مخالف سنة صحيحة وربما أغلظوا في الرد لا بغضا له بل هو محبوب عندهم معظم في نفوسهم لكن رسول الله أحب إليهم وأمره فوق أمر كل مخلوق فإذا تعارض أمر الرسول وأمر غيره فأمر الرسول أولى أن يقدم ويتبع

ولا يمنع من ذلك تعظيم من خالف أمره وإن كان مغفورا له بل ذلك المخالف المغفور له لا يكره أن يخالف أمره إذا ظهر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بخلافه
قلت: كيف يكرهون ذلك وقد أمروا به أتباعهم كما مر وأوجبوا عليهم أن يتركوا أقوالهم المخالفة للسنة بل إن الشافعي رحمه الله أمر أصحابه أن ينسبوا السنة الصحيحة إليه ولو لم يأخذ بها أو أخذ بخلافها ولذلك لما جمع المحقق ابن دقيق العيد رحمه الله المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة الأربعة الحديث فيها انفرادا واجتماعا في مجلد ضخم قال في أوله:
(إن نسبة هذه المسائل إلى الأئمة المجتهدين حرام وإنه يجب على الفقهاء المقلدين لهم معرفتها لئلا يعزوها إليهم فيكذبوا عليهم)

ترك الأتباع بعض أقوال أئمتهم اتباعا للسنة

ولذلك كله كان أتباع الأئمة ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين لا يأخذون بأقوال أئمتهم كلها بل قد تركوا كثيرا منها لما ظهر لهم مخالفتها للسنة حتى أن الإمامين: محمد بن الحسن وأبا يوسف رحمهما الله قد خالفا شيخهما أبا حنيفة (في نحو ثلث المذهب) وكتب الفروع

كفيلة ببيان ذلك ونحو هذا يقال في الإمام المزني وغيره من أتباع الشافعي وغيره ولو ذهبنا نضرب على ذلك الأمثلة لطال بنا الكلام ولخرجنا به عما قصدنا إليه في هذا البحث من الإيجاز فلنقتصر على مثالين اثنين:
1 – قال الإمام محمد في ” موطئه ” (ص 158) : (قال محمد: أما أبو حنيفة رحمه الله فكان لا يرى في الاستسقاء صلاة وأما في قولنا فإن الإمام يصلي بالناس ركعتين ثم يدعو ويحول رداءه) إلخ
2 – وهذا عصام بن يوسف البلخي من أصحاب الإمام محمد ومن الملازمين للإمام أبي يوسف (كان يفتي بخلاف قول الإمام أبي حنيفة كثيرا لأنه لم يعلم الدليل وكان يظهر له دليل غيره فيفتي به ” ولذلك (كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه) كما هو في السنة المتواترة عنه صلى الله عليه وسلم فلم يمنعه من العمل بها أن أئمته الثلاثة قالوا بخلافها وذلك ما يجب أن يكون عليه كل مسلم بشهادة الأئمة الأربعة وغيرهم كما تقدم
وخلاصة القول إنني أرجو أن لا يبادر أحد من المقلدين إلى الطعن في مشرب هذا الكتاب وترك الاستفادة مما فيه من السنن النبوية بدعوى مخالفتها للمذهب بل أرجو أن يتذكر ما أسلفناه من أقوال الأئمة في وجوب العمل بالسنة وترك أقوالهم المخالفة لها وليعلم أن الطعن في هذا المشرب إنما هو طعن في الإمام الذي يقلده أيا كان من الأئمة فإنما أخذنا هذا المنهج منهم كما سبق بيانه فمن أعرض عن الاهتداء بهم في هذا السبيل فهو على خطر عظيم لأنه يستلزم الإعراض عن السنة وقد أمرنا عند الاختلاف بالرجوع إليها والاعتماد عليها كما قال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65]
أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن قال فيهم: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون. ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون
دمشق 13 جمادى الآخرة سنة 1370 هـ

المصدر كتاب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها

الكتاب: صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها
المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420هـ)
الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع – الرياض
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

إِنما يدخل من المؤمنين النار من اجتمعت فيه سبعة أوصاف

إِنَّمَا يدْخل من الْمُؤمنِينَ النَّار من اجْتمعت فِيهِ سَبْعَة أَوْصَاف

(أَحدهَا) أَن تكون لَهُ ذنُوب تَحَرُّزًا من الْمُتَّقِينَ

(الثَّانِي) أَن يَمُوت غير تائب من ذنُوبه فَإِن التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ

(الثَّالِث) أَن تكون ذنُوبه كَبَائِر فَإِن الصَّغَائِر تغْفر باجتناب الْكَبَائِر

(الرَّابِع) أَن لَا تثقل حَسَنَاته فَلَو رجحت على سيآته وَلَو بِوَزْن ذرة نجا من النَّار

(الْخَامِس) أَن لَا يكون مِمَّن لَهُ النجَاة بِعَمَل سَابق كَأَهل بدر وبيعة الرضْوَان

(السَّادِس) أَن لَا يشفع فِيهِ أحد

(السَّابِع) أَن لَا يغْفر لَهُ الله

الصفحة رقم 5

الكتاب: القوانين الفقهية
المؤلف: أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي (المتوفى: 741هـ)
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]