فصل وقد اندس فِي الصوفية أقوام وتشبهوا بهم وشطحوا فِي الكرامات وادعائها وأظهروا للعوام مخاريق صادوا بِهَا قلوبهم

فصل وقد اندس فِي الصوفية أقوام وتشبهوا بهم وشطحوا فِي الكرامات وادعائها وأظهروا للعوام مخاريق صادوا بِهَا قلوبهم

وَقَدْ روينا عَنْ الحلاج أنه كان يدفن شيئا من الخبز والشواء والحلوى فِي موضع من البرية ويطلع بعض أصحابه عَلَى ذلك فَإِذَا أصبح قَالَ لأصحابه إن رأيتم أن نخرج عَلَى وجه السياحة فيقوم ويمشي والناس معه فَإِذَا جاءوا إِلَى ذلك المكان قَالَ لَهُ صاحبه الذي أطلعه عَلَى ذلك نشتهي الآن كذا وكذا فيتركهم الحلاج وينزوي عنهم إِلَى ذلك المكان فيصلي ركعتين ويأتيهم بذلك وكان يمد يده إِلَى الهواء ويطرح الذهب فِي أيدي الناس ويمخرق وَقَدْ قَالَ لَهُ بعض الحاضرين يوما هذه الدراهم معروفة ولكن أؤمن بك إذا أعطيتني درهما عَلَيْهِ اسمك واسم أبيك وما زال يمخرق إِلَى وقت صلبه.
حَدَّثَنَا أَبُو منصور القزاز قَالَ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ ثابت نا عَبْد اللَّهِ بْن أحمد ابْن عمار الصيرفي ثنا أَبُو عمرو بْن حيوة قَالَ لما أخرج حسين الحلاج للقتل مضيت فِي جملة الناس فلم أزل أزاحم حتى رأيته فَقَالَ لأصحابه لا يهولنكم هَذَا فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما وكان اعتقاد الحلاج اعتقادا قبيحا وَقَدْ بينا فِي أول هَذَا الْكِتَاب شيئا من اعتقاده وتخليطه وبينا أنه قتل بفتوى فقهاء عصره وَقَدْ كان من المتأخرين من يطلي بدهن الطلق ويقعد فِي التنور ويظهر أن هَذَا كرامة قال ابْن عقيل وكان ابْن الشباس وأبوه قبله لهم طيور سوابق وأصدقاء فِي جميع البلاد فينزل بهم قوم فيرفع طائرا فِي الحال إِلَى قريتهم يخبر بخبر من لَهُ هناك بنزولهم ويستعمله من أحوالهم وما تجدد هناك بعدهم قبل أن يجتمع عليهم ويستعلم حالهم فيكتب ذلك إليه الجواب ثم يجتمع بهم فيخبرهم بتلك الحوادث ويحدثهم بأحوالهم حديث من هو معهم ومعاشرهم فِي بلادهم ثم يحدثهم بما تجدد بعدهم وفي يومه ذلك فيقول الساعة تجدد كذا وكذا فيدهشون ويرجعون إِلَى رستاقهم فيجدون الأمر عَلَى مَا قَالَ ويتكرر هَذَا مِنْهُ فيصير عندهم كالقطعي عَلَى أنه يعلم الغيب قَالَ وما كان يفعله أنه يأخذ طير عصفور ويشد فِي رجله تلفكا ويجعل فِي التلفك بطاقة صغيرة ويشد فِي رجل حمامة تلفكا ويشد فِي طرف التلفك كتابا أكبر من ذلك ويجعله بين يديه ويجعل العصفور بيد ويأخذ غلاما لَهُ فِي السطح1 والحمامة بيد آخر فيه مَا فِي تلك البطاقة الصغيرة ويطلق الطائر العصفور فينظر الناس الْكِتَاب وَهُوَ طائر فِي الهواء فيروح الحمام إِلَى تلك القرية فيأخذه صديقه الذي هناك ثم يخبره بجميع أمور القرية وأصحابها فلما يتكامل مجلسه بالناس يشير وينادي يا بارش كأنه يخاطب شيطانا اسمه بارش ويقول خذ هَذَا الْكِتَاب إِلَى قرية فلان فقد جرت بينهم خصومة فاجتهد فِي إصلاح ذات بينهم ويرفع صوته بذلك فيسرح غلامه المترصد العصفور الذي فِي يده فيرفع الْكِتَاب نحو السماء بحضرة الْجَمَاعَة يرونه عيانا من غير أن يرون التلفك فَإِذَا ارتفع الْكِتَاب جذبه الغلام المقيد بالعصفور وقطع التلفك حتى لا يرى ويرسل العصفور إِلَى تلك القرية ليصلح الأمر وكذلك يفعل بالحمامة ثم يَقُول لغلامه هات الْكِتَاب فيلقيه الغلام الذي فِي السطح الذي قد جاءه خبر مَا فِي القرية التي هؤلاء منها ثم يكتب كتابا إِلَى دهقان تلك القرية فيشد به بلفكا ويجعله فِي رجل عصفور كَمَا قدمنا ويطلقه حتى يعلوا سطح المكان فيأخذه ذلك الغلام فيشدة فِي رجل طير حمام فيروح إِلَى تلك القرية بذلك الْكِتَاب فيصلح بين الناس الذين قد أتاه خبرهم بالمشاجرة فتخرج الْجَمَاعَة الذين من تلك القرية فيجدون كتاب الشيخ قد وصل لهم وَقَدِ اجتمع دهاقين القرية وأصلحوا بينهم فيجيء ذلك فيخبرهم فلا يشكون فِي ذلك أنه يعلم الغيب ويتحقق هَذَا فِي قلوب العوام.
قال ابْن عقيل: وإنما أوردت مثل هَذَا ليعلم أنه قد ارتفع القوم إِلَى التلاعب بالدين فأي بقاء للشريعة مَعَ هَذَا الحال قلت وابن الشباس هَذَا كان يكنى أبا عَبْد اللَّهِ والشباس هو أبوه كان يكنى أبا الْحَسَن واسم الشباس عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد البغدادي توفي بالبصرة سنة أربع وأربعين وأربع مائة وكان الشباس وأبوه وعمه مستقرين بالبصرة وكانت مذاهبهم تخفى عَلَى الناس إلا أن الأغلب أنهم كانوا من الباطنية وَقَدْ ذكرت فِي التاريخ عَنِ ابْن الشباس أن بعض أصحابه اكتشفت لَهُ نار بخيانته وزخارفه وكانت تخفى عَلَى الناس إلى أن كشفها بعض أصحابه من الباطنية للناس فلما كشفها للناس وبينها فكان مما حدث به عنه أنه قَالَ حضرنا يوما عنده فأخرج جديا مشويا فأمرنا بأكله وأن نكسر عظمه ولا تهشمها فلما فرغنا أمر بردها إِلَى التنور وترك عَلَى التنور طبقا ثم رفعه بعد ساعة فوجدنا جديا حيا يرعى حشيشا ولم نر للنار أثرا ولا للرماد ولا للعظام خبرا قَالَ فتلطفت حتى عرفت ذلك وذلك أن التنور يفضي إِلَى سرداب وبينهما طبق نحاس بلولب فَإِذَا أراد إزالة النار عنه فركه فينزل عَلَيْهِ فيسده وينفتح السرداب وإذ أراد أن يظهر النار أعاد الطبق إِلَى فم السرداب فترى للناس.
قَالَ المصنف رحمه اللَّه: وَقَدْ رأينا فِي زماننا من يشير إِلَى الملائكة ويقول هؤلاء ضيف مكرمون يوهم أن الملائكة قد حضرت ويقول لهم تقدموا إِلَى وأخذ رجل فِي زماننا إبريقا جديدا فترك فيه عسلا فتشرب فِي الخزف طعم العسل واستصحب الإبريق فِي سفره فكان إذا غرف به الماء من النهر وسقى أصحابه وجدوا طعم العسل وما فِي هؤلاء من يعرف اللَّه ولا يخاف فِي اللَّه لومة لائم نعوذ بالله من الخذلان.

1 الغلام في بعض النسخ هكذا بالنصب وفي بعض بالرفع وعلى كل المعنى ظاهر وهو أن ابن الشباس كان يخذ غلاما في السطح لأجل ما ذكر.

من الباب الحادي عشر: فِي ذكر تلبيس إبليس عَلَى المتدينين بما يشبه الكرامات

الكتاب: تلبيس إبليس
المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)

وقد لبس إبليس على قوم من المتأخرين فوضعوا حكايات في كرامات الأولياء ليشيدوا بزعمهم أمر القوم والحق لا يحتاج إلى تشييد بباطل فكشف الله تعالى أمرهم بعلماء النقل

فصل: وقد لبس إبليس عَلَى قوم من المتأخرين فوضعوا حكايات فِي كرامات الأولياء ليشيدوا بزعمهم أمر القوم والحق لا يحتاج إِلَى تشييد بباطل فكشف اللَّه تعالى أمرهم بعلماء النقل

أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر أَنْبَأَنَا الْحَسَن بْن أَحْمَدَ الفقيه قَالَ نا مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الْحَافِظ قَالَ نا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد الفقية قَالَ أَحْمَد بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الآدمي قَالَ حَدَّثَنِي أبي قَالَ قَالَ سَهْل بْن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ عمرو بْن واصل كذا فِي الرواية والصواب قَالَ عمرو بْن واصل قَالَ سَهْل بْن عَبْدِ اللَّهِ صحبت رجلا من الأولياء فِي طريق مكة فنالته فاقة ثَلاثَة أيام فعدل إلى مسجد فِي أصل جبل وإذا فيه بئر عَلَيْهِ بكرة وحبل ودلو ومطهرة وعند البئر شجرة رمان ليس فيها حمل فأقام فِي المسجد إِلَى المغرب فلما دخل الوقت إذا بأربعين رجلا عليهم المسوح وفي أرجلهم نعال الخوص قد دخلوا المسجد فسلموا وأذن أحدهم وأقام الصلاة وتقدم فصلى بهم فلما فرغ من صلاته تقدم إِلَى الشجرة فَإِذَا فيها أربعون رمانة غضة طريفة فأخذ كل واحد منهم رمانة وأنصرف قَالَ وبت عَلَى فاقتي فلما كان فِي الوقت الذي أخذوا فيه الرمان أقبلوا أجمعين فلما صلوا وأخذوا الرمان قلت يا قوم أنا أخوكم فِي الإسلام وبي فاقة شديدة فلا كلمتموني ولا واسيتموني فَقَالَ رئيسهم إنا لا نكلم محجوبا بما معه فأمض واطرح مَا معك وراء هَذَا الجبل فِي الوادي وأرجع إلينا حتى تنال مَا ننال قَالَ فرقيت الجبل فلم تسمح نفسي برمي مَا معي فدفنته ورجعت فَقَالَ لي رميت مَا معك قلت نعم قَالَ فرأيت شيئا قلت لا قَالَ مَا رميت شيئا إذن فارجع فأرم به فِي الوادي فرجعت ففعلت فَإِذَا قد غشيني مثل الدرع نور الولاية فرجعت فَإِذَا فِي الشجرة رمانه فأكلتها واستقللت بِهَا من الجوع والعطش ولم ألبث دون المضي إِلَى مكة فَإِذَا أنا بالأربعين بين زمزم والمقام فأقبلوا إلي بأجمعهم يسألوني عَنْ حالي ويسلمون علي فقلت قد غنيت عنكم وعن كلامكم آخرا كما أغناكم الله عَنْ كلامي أولا فما فِي لغير اللَّه موضع.
قَالَ المصنف رحمه اللَّه: عمرو بْن واصل ضعفه ابْن أبي حاتم والآدمي وأبوه مجهولان ويدلعلى أنها حكاية موضوعة قولهم أطرح مَا معك لأن الأولياء لا يخالفون الشرع والشرع قد نهى عَنْ إضاعة المال وقوله غشيني نور الولاية فهذه حكاية مصنوعة وحديث فارغ ومثل هذه الحكاية لا يغتر بِهَا من شم رائحة العلم إنما يغتر بِهَا الجهال الذين لا بصيرة لهم أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر قَالَ نا السهلكي قَالَ سمعت مُحَمَّد بْن عَلِيٍّ الواعظ قَالَ وفيما أفادني بعض الصوفية حاكيا عَنْ الجنيد قَالَ قَالَ أَبُو مُوسَى الديبلي دخلت عَلَى أبي يَزِيد فَإِذَا بين يديه ماء واقف يضطرب فَقَالَ لي تعالى ثم قَالَ إن رجلا سألني عَنِ الحياء فتكلمت عَلَيْهِ بشيء من علم الحياء فدار دورانا حتى صار كذا كَمَا ترى وذاب قَالَ الجنيد وقال أحمد بْن حضرويه بقي معه قطعة كقطعة جوهر فاتخذت مِنْهُ فصا فكلما تكلمت بكلام القوم أَوْ سمعت من كلام القوم يذوب ذلك الفص حتى لم يبق مِنْهُ شيء قلت وهذه من النحالة القبيحة التي وضعوها الجهال ولولا أن الجهالة يروونها مسندة فيظنونها شيئا لكان الأضراب عَنْ ذكرها أولى أنبأنا أَبُو بَكْرِ بْنُ حبيب قَالَ نا ابْن أبي صَادِق قَالَ ثنا ابْنُ باكويه قَالَ ثنا أَبُو حنيفة البغدادي قَالَ ثنا عَبْدُ الْعَزِيز البغدادي قَالَ كنت أنظر فِي حكايات الصوفية فصعدت يوما السطح فسمعت قائلا يقول وهو يتولى الصالحين فالتفت فلم أر شيئا فطرحت نفسي من السطح فوقفت فِي الهواء.
قال المصنف رحمه اللَّه هَذَا كذب محال لا يشك فيه عاقل فلو قدرنا صحته فَإِن طرح نفسه من السطح حرام وظنه أن اللَّه يتولى من فعل المنهى عنه فقد قَالَ تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فكيف يكون صالحا وَهُوَ يخالف ربه وعلى تقدير ذلك فمن أخبره أنه منهم وَقَدْ تقدم قول عِيسَى صلوات اللَّه عَلَيْهِ للشيطان لما قَالَ لَهُ ألق نفسك قَالَ إن اللَّه يختبر عباده وليس للعبد أن يختبر ربه.

من الباب الحادي عشر: فِي ذكر تلبيس إبليس عَلَى المتدينين بما يشبه الكرامات

الكتاب: تلبيس إبليس
المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)

ولما علم العقلاء شدة تلبيس إبليس حذروا من أشياء ظاهرها الكرامة وخافوا أن تكون من تلبيسه

فصل: ولما علم العقلاء شدة تلبيس إبليس حذروا من أشياء ظاهرها الكرامة وخافوا أن تكون من تلبيسه روينا بإسناد عَنْ أبي الطيب يَقُول سمعت زهرون يَقُول كلمني الطير وذاك أني كنت فِي البادية فتهت فرأيت طائرا أبيض فَقَالَ لي يا زهرون أنت تائه فقلت يا شيطان غر غيري فَقَالَ لي أنت تائه فقلت يا شيطان غر غيري فوثب فِي الثالثة وصار عَلَى كتفي وقال مَا أنا بشيطان أنت تائه أرسلت إليك ثم غاب عني

من الباب الحادي عشر: فِي ذكر تلبيس إبليس عَلَى المتدينين بما يشبه الكرامات

الكتاب: تلبيس إبليس
المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)

من تلبيس إبليس علي الزهاد أنه يوهمهم أن الزهد هو القناعة بالدون من المطعم والملبس فحسب فهم يقنعون بذلك وقلوبهم راغبة فِي الرياسة

من تلبيس إبليس علي الزهاد أنه يوهمهم أن الزهد هو القناعة بالدون من المطعم والملبس فحسب فهم يقنعون بذلك وقلوبهم راغبة فِي الرياسة

فصل: ومن تلبيسه عليهم أنه يوهمهم أن الزهد هو القناعة بالدون من المطعم
والملبس فحسب فهم يقنعون بذلك وقلوبهم راغبة فِي الرياسة وطلب الجاه فتراهم يترصدون لزيارة الأمراء إياهم ويكرمون الأغنياء دون الفقراء ويتخاشعون عند لقاء الناس كأنهم قد خرجوا من مشاهدة وربما رد أحدهم المال لئلا يقال قد بدا لَهُ من الزهد وهم من ترغد الناس إليهم وتقبيل أيديهم فِي أوسع باب من ولايات الدنيا لأن غاية الدنيا الرياسة.

الكتاب: تلبيس إبليس
المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)

من تلبيس إبليس علي الزهاد أنه يوهمهم أن الزهد ترك المباحات

من تلبيس إبليس علي الزهاد أنه يوهمهم أن الزهد ترك المباحات

فصل: ومن تلبيسه عليهم أنه يوهمهم أن الزهد ترك المباحات فمنهم من لا يَزِيد عَلَى خبز الشعير ومنهم من لا يذوق الفاكهة ومنهم من يقلل المطعم حتى ييبس بدنه ويعذب نفسه بلبس الصوف ويمنعها الماء البارد وما هذه طريقة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا طريق أصحابه وأتباعهم وإنما كانوا يجوعون إذا لم يجدوا شيئا فَإِذَا وجدوا أكلوا وَقَدْ كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل اللحم ويحبه ويأكل الدجاج ويحب الحلوى ويستعذب لَهُ الماء البارد ويختار الماء البائت فإن الماء الجاري يؤذي المعدة ولا يروي وَقَدْ كان رجل يَقُول أنا لا آكل الخبيص لأني لا أقوم بشكره فَقَالَ الْحَسَن البصري هَذَا رجل أحمق وهل يقوم بشكر الماء البارد وقد كان سفيان الثوري إذا سافر حمل فِي سفرته اللحم المشوي والفالوذج وينبغي للإنسان أن يعلم أن نفسه مطيته ولا بد من الرفق بِهَا ليصل بِهَا إِلَى المقصود فليأخذ مَا يصلحها وليترك مَا يؤذيها من الشبع والإفراط فِي تناول الشهوات فان ذلك يؤذي البدن والدين.
ثم إن الناس يختلفون فِي طباعهم فان الأعراب إذا لبسوا الصوف واقتصروا عَلَى شرب اللبن لم نلمهم لأن مطايا أبدانهم تحمل ذلك وأهل السواد إذا لبسوا الصوف وأكلوا الكوامخ لم نلمهم أيضا ولا نقول فِي هؤلاء من قد حمل عَلَى نفسه لأن هذه عادة القوم فأما إذا كان البدن مترفا قد نشأ عَلَى التنعم فإنا ننهي صاحبه أن يحمل عَلَيْهِ مَا يؤذيه فان تزهد وآثر ترك الشهوات إما لأن الحلال لا يحتمل السرف أَوْ لأن الطعام اللذيذ يوجب كثرة التناول فيكثر النوم والكسل فهذا يحتاج أن يعلم مَا يضر تركه وما لا يضر فيأخذ قدر القوام من غير أن يؤذي النفس وَقَدْ ظن قوم أن الخبز القفاز يكفي فِي قوام البدن ولو كفى إلا أن الاقتصار يؤدي من جهة أن أخلاط البدن تفتقر إِلَى الحامض والحلو والحار والبارد والممسك والمسهل وَقَدْ جعل أسباب مثل أن يقل عندها البلغم الذي لا بد فِي قوامها مِنْهُ فتشتاق إِلَى اللبن ويكثر عندها الصفراء فتميل إِلَى الحموضة فمن كفها عَن التصرف عَلَى مقتضى مَا قد وضع فِي طبعها مما يصلحها فقد آذاها إلا أن يكفها عَن الشبع والشره وما يخاف عاقبته فان ذلك يفسدها فأما الكف المطلق فخطأ فافهم هَذَا ولا يلتفت إِلَى قول الحارث المحاسبي وأبي طالب المكي فيما ذكرا من تقليل المطعم ومجاهدة النفس بترك مباحاتها فان اتباع الشارع وصحابته أولى وكان ابْن عقيل يَقُول مَا أعجب أموركم فِي المتدين إما أهواء متبعة أَوْ رهبانية مبتدعة بين تجرير أذيال المرح فِي الصبا واللعب وبين إهمال الحقوق وإطراح العيال واللحوق بزوايا المساجد فهلا عبدوا عَلَى عقل وشرع.

الكتاب: تلبيس إبليس
المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)

ومن تلبيس إبليس عَلَى الزهاد إعراضهم عَن العلم شغلا بالزهد فقد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير

ومن تلبيس إبليس عَلَى الزهاد إعراضهم عَن العلم شغلا بالزهد فقد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير

فصل: ومن تلبيسه عَلَى الزهاد إعراضهم عَن العلم شغلا بالزهد فقد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وبيان ذلك أن الزاهد لا يتعدى نفعه عتبة بابه والعالم نفعه متعد وكم قد رد إِلَى الصواب من متعبد.

الكتاب: تلبيس إبليس
المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)

تلبيس إبليس على الزهاد والعباد

تلبيس إبليس على الزهاد والعباد

الباب التاسع: فِي ذكر تلبيس إبليس عَلَى الزهاد والعباد
قد يسمع العامي ذم الدنيا فِي القرآن المجيد والأحاديث فيرى أن النجاة تركها ولا يدري مَا الدنيا المذمومة فيلبس عَلَيْهِ إبليس بأنك لا تنجو فِي الآخرة إلا بترك الدنيا فيخرج عَلَى وجهه إِلَى الجبال فيبعد عَن الجمعة والجماعة والعلم ويصير كالوحش ويخيل إليه أن هَذَا هو الزهد الحقيقي كيف لا وَقَدْ سمع عَنْ فلان أنه هام عَلَى وجهه وعن فلان أنه تعبد فِي جبل وربما كانت لَهُ عائلة فضاعت أَوْ والدة فبكت لفراقه وربما لم يعرف أركان الصلاة كَمَا ينبغي وربما كانت عَلَيْهِ مظالم لم يخرج منها وإنما يتمكن إبليس من التلبيس عَلَى هَذَا لقلة علمه ومن جهله رضاه عَنْ نفسه بما يعلم ولو أنه وفق لصحبة فقيه يفهم الحقائق لعرفه أن الدنيا لا تذم لذاتها وَكَيْفَ يذم مَا من اللَّه تعالى به وما هو ضرورة فِي بقاء الآدمي وسبب فِي إعانته عَلَى تحصيل العلم والعبادة من مطعم ومشرب وملبس ومسجد يصلي فيه وإنما المذموم أخذ الشيء من غير حله أَوْ تناوله عَلَى وجه السرف لا عَلَى مقدار الحاجة ويصرف النفس فيه بمقتضى رعوناتها لا بإذن الشرع وأن الخروج إِلَى الجبال المنفردة منهي عنه فان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يبيت الرَّجُل وحده وأن التعرض لتركه الْجَمَاعَة والجمعة خسران لا ربح والبعد عَن العلم والعلماء يقوي سلطان الجهل وفراق الوالد والوالدة فِي مثل هَذَا عقوق والعقوق من الكبائر وأما من سمع عنه أنه خرج إِلَى جبل فأحوالهم تحتمل أنهم لم يكن لهم عيال ولا والد ولا والدة فخرجوا إِلَى مكان يتعبدون فيه مجتمعين ومن لم يحتمل حالهم وجها صحيحا فهم عَلَى الخطأ من كانوا وَقَدْ قَالَ بعض السلف خرجنا إِلَى جبل نتعبد فجاءنا سفيان الثوري فردنا.

الكتاب: تلبيس إبليس
المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)

قد لبس إبليس على بعض المتعبدين

قد لبس إبليس على بعض المتعبدين

فصل: وقد لبس إبليس عَلَى بعض المتعبدين فيرى منكرا فلا ينكره ويقول إنما يأمر وينهي من قد صلح وأنا ليس بصالح فكيف آمر غيري وهذا غلط لأنه يجب عَلَيْهِ أن يأمر وينهي ولو كانت تلك المعصية فيه إلا أنه متى أنكر متنزها عَن المنكر أثر إنكاره وإذا لم يكن متنزها لم يكد يعمل إنكاره فينبغي للمنكر أن ينزه نفسه ليؤثر إنكاره

الكتاب: تلبيس إبليس
المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)

الستر على المسلم واجب مهما أمكن

الستر على المسلم واجب مهما أمكن

فصل: ومن تلبيس إبليس عَلَى المنكر أنه إذا أنكر جلس فِي مجمع يصف مَا فعل ويتباهى به ويسب أصحاب المنكر سب الحنق عليهم ويلعنهم ولعل القوم قد تابوا وربما كانوا خيرا مِنْهُ لندمهم وكبره, ويندرج فِي ضمن حديثه كشف عورات المسلمين لأنه يُعلم من لا يَعلم والسِتر عَلَى المسلم واجب مهما أمكن, وسمعت عَنْ بعض الجهلة بالإنكار أنه يهجم عَلَى قوم مَا يتيقن مَا عندهم ويضربهم الضرب المبرح ويكسر الأواني وكل هَذَا يوجبه الجهل فأما العالم إذا أنكر فأنت مِنْهُ عَلَى أمان وَقَدْ كان السلف يتلطفون فِي الإنكار ورأى صلة بْن أشيم رجلا يكلم امرأة فَقَالَ إن اللَّه يراكما سترنا اللَّه وإياكما وكان يمر بقوم يلعبون فيقول يا إخواني ما تقولون فيمن أراد سفرا فنام طول الليل ولعب طول النهار متى يقطع سفره فانتبه رجل منهم فَقَالَ يا قوم إنما يعلمنا هَذَا فتاب وصحبه.

الكتاب: تلبيس إبليس
المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)

ذكر تلبيس إبليس عَلَى الآمرين بالمعروف والناهين عَن المنكر

ذكر تلبيس إبليس عَلَى الآمرين بالمعروف والناهين عَن المنكر

ذكر تلبيسه عَلَى الآمرين بالمعروف والناهين عَن المنكر
وهم قسمان عالم وجاهل فدخول إبليس عَلَى العالم من طريقين:

الطريق الأَوَّل: التزين بذلك وطلب الذكر والعجب بذلك الفعل روينا بإسناد عَنْ أَحْمَد بْن أبي الحواري قَالَ سمعت أبا سلمان يَقُول سمعت أبا جَعْفَر المنصور يبكي فِي خطبته يوم الجمعة فاستقبلني الغضب وحضرتني نية أن أقوم فأعظه بما أعرف من فعله إذا نزل قَالَ فكرهت أن أقوم إِلَى خليفة فأعظه والناس جلوس يرمقونني بأبصارهم فيعرض لي تزين فيأمر بي فأقتل عَلَى غير صَحِيح فجلست وسكت.

والطريق الثاني: الغضب للنفس وربما كان ابتداء وربما عرض فِي حالة الآمر بالمعروف لأجل مَا يلقى به المنكر من الإهانة فتصير خصومه لنفسه كَمَا قَالَ عُمَر بْن عَبْدِ الْعَزِيز لرجل لولا أني غضبان لعاقبتك وإنما أراد أنك أغضبتني فخفت أن تمتزج العقوبة من غضب اللَّه ولي

فصل فأما إذا كان الآمر بالمعروف جاهلا فان الشَّيْطَان يتلاعب به وإنما كان إفساده فِي أمره أكثر من إصلاحه لأنه ربما نهى عَنْ شيء جائز بالإجماع وربما أنكر مَا تأول فيه صاحبه وتبع فيه بعض المذاهب وربما كسر الباب وتسور الحيطان وضرب أهل المنكر وقذفهم فان أجابوه بكلمة تصعب عَلَيْهِ صار غضبه لنفسه وربما كشف مَا قد أمر الشرع بستره وَقَدْ سئل أَحْمَد بْن حنبل عَنْ القوم يكون معهم المنكر مغطى مثل طنبور ومسكر قَالَ إذا كان مغطى فلا تكسره وقال فِي رواية أخرى اكسره وهذا محمول عَلَى أنه يكون مغطى بشيء خفيف يصفه فيتبين والأولى عَلَى أنه لا يتبين وسئل عَن الرَّجُل يسمع صوت الطبل والمزمار ولا يعرف مكانه فَقَالَ ولا عليك مَا غاب عنك فلا تفتش وربما رفع هَذَا المنكر أهل المنكر إِلَى من يظلمهم وَقَدْ قَالَ أَحْمَد بْن حنبل إن علمت أن السلطان يقيم الحدود فارفع إليه.

الكتاب: تلبيس إبليس
المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)